الأربعاء، 13 أكتوبر 2010

صلاح الاباء صلاحا للأبناء

كثير من الآباء الذين يهتمون بأمر التربية يقصرون اهتماماتهم على متابعة آخر ما توصل إليه علم التربية. وتستشرف عقولهم لمعرفة أسرار الثواب والعقاب وفنون الدافعية ومعالجة الأخطاء...وكل ذلك حسن وخاصة إذا استقي من مصادر الشريعة وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم واستنباطات العلماء منها......غير أن القضية الأولى والأهم قضية "وكان أبوهما صالحًا".!!

1ـ والذي خبث لا يخرج إلا نكدا....
معلومة هي قِصّة ذلك الشاب السارق الذي لما أرادوا قطع يده! نادى القاضي وقال: اقطعوا يدّ أمي لأنني وأنا صغير سرقت بيضة فتهلل وجهها وضحكت لي؟
تلك القصة يؤيدها ذلك المثال الذي ضربه الله ليبين لنا كيف لا تستوي السنبلة على عودها إلا إذا كانت بذرتها صالحة وتربتها صالحة فإذا كانت البذرة فاسدة وتربتها سبخة فأي عود وأي زرع ترجو من وراء ذلك، فقد قال تعالى: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا".
فمن حق البذرة ألا توضع إلا في أرض طيبة وذلك من حق الولد على والده أن يحسن اختيار أمه، فالأب الصالح والأم الصالحة لا شك أن ثمرة وذرية ذلك الزواج ستكون صالحة.
ـ الثمرة الطيبة المباركة عبد الله بن المبارك
فهذا المبارك والد الإمام الحجة شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك، كان عبداً رقيقاً أعتقه سيده، ثم عمل أجيراً عند صاحب البستان، وفي يوم خرج صاحب البستان مع أصحاب له إلى البستان وقال للمبارك: ائتنا برمان حلو فقطف رمانات، فإذا هي حامضة،
فقال صاحب البستان: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟!!
فقال له: أنت لم تأذن لي لأعرف الحلو من الحامض.. فقال: أنت من كذا وكذا سنة تحرس البستان وتقول هذا وظن أنه يخدعه،فسأل الجيران، فقالوا: ما أكل رمانة واحدة منذ عمل هنا، فقال له صاحب البستان: يا مبارك ليس عندي إلا ابنة واحدة فلمن أزوجها؟ قال المبارك: اليهود يزوجون للمال، والنصارى للجمال، والعرب للحسب، والمسلمون يزوجون للتقوى ـ فمن أي الأصناف أنت؟ زوّج ابنتك للصنف الذي أنت منه،فقال: وهل يوجد أتقى منك، ثم زوّجه ابنته.
فكان من ثمرة ذلك شجرة يانعة مباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أكلاً من جهاد، وزهد، وعلم، وصدقة إنه "عبد الله بن المبارك".
وهذا والد الإمام البخاري يقول عند موته "والله لا أعلم أني أدخلت على أهل بيتي يومًا درهمًا حرامًا أو درهمًا فيه شبه" فجاء حديث الرسول الصحيح مجموع على يد ولده "محمد بن إسماعيل البخاري" أصح الكتب بعد كتاب الله.

2ـ فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديدًا
خلق الله في نفوس عباده محبة الولد، والرغبة في إسعاده، فقلوب الآباء مرهفة الحساسية تجاه أبنائهم، شديدة الشغف بهم، قال تعالى "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين.." وقال "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" غير أن كثيرًا من الآباء يقصرون اهتماماتهم على تأمين حياة راغدة ومعيشة هانئة بجمع المال، وكل ذلك حسن إن كان من حل فقد قال صلى الله عليه وسلم "إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس "غير أن القضية الأولى والأهم "وكان أبوهما صالحا".
وانظر كيف وصف الله الطريق لمن تملك الخوف قلوبهم على ذريتهم في المستقبل فكانت التقوى والصلاح هما الطريق.
ـ محمد بن المنكدر يصف الطريق
ورد عن محمد بن المنكدر أنه قوله لولده والله يا بني إني لأزيد في صلاتي ابتغاء صلاحك. فانظر كيف كان فقهه رضي الله لقضية صلاح الذرية، وعلم ما هو الشيء النفيس والغالي الذي يكتنزه لولده حتى ينفعه فيما هو مقبل عليه من العواقب والمشقات. لقد أدرك ابن المنكدر الطريق فهل تبصره أنت.
ـ وعمر بن عبد العزيز يضرب المثال
..وهو من هو في زهده وورعه ... مات وما خلف لأهل بيته من حطام الدنيا شيئا ... ثم ...يقول العارفون من أهل عصره: قد رأينا أبناء عمر بن عبد العزيز أغنى الناس، ورأينا أبناء عبد الملك بن مروان عالة يتكففون الناس.
فترك الحرام وقول المعروف وفعل الخيرات وبذل الصدقات هي الأمان لولد تتقلب أحواله في الدهر وأنت لا شك تاركه، ولكن الذي لا يزول، والذي بيده مقادير السماوات والأرض وخزائنها إن استودعته وديعتك لن يضيعها.
"وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا"

3ـ وكان أبوهما صالحًا
رجلان أتيا إلى قرية أهلها بخلاء لم يطعموهما ليجدا جدارًا أصحابه غير موجودين، "صبيان صغيران" يعيشان في مدينة أخرى، فيقيما الجدار ويصلحاه.
ـ وقفتان:
الوقفة الأولى وقفة تأمل لهذا الرجل فانظر إليه وهو واقف في خشوع بين يدي الله في جوف الليل يسيل دمعه من خشية الله، أو استمع لصوته وهو يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، أو اشعر بصبره على ابتلاء الله له، أو ترقبه وهو يضع الصدقة في يد يتيم وترقرق عينه من الدمع شفقة عليه.
لا شك أن لهذا الرجل سرًا بينه وبين الله رفع من قدره فحفظ الله به ولده، فلأجله ولأجل صبياه ابتعث رجلين عظيمين عند الله أحدهما نبي من أولي العزم، والآخر قيل فيه إنه بني وقيل إنه كان رجلا صالحًا.

ـ والوقفة الثانية: أن المال والمنصب والجاه والعقار لا ينفع وحده إن لم يكلله "وكان أبوهما صالحا".
ـ وانظر إلى هذا المشهد الآخر:
فلقد بلغ من خوف أحدهم على ابنه من دواهي الزمان ما حكاه العالم أبو بكر بن يعقوب بن شيبة عن أبيه لما وُلد, فإنه دخل على زوجته فقال: إذا حسبت مولد هذا الفتى فلو عاش كذا وكذا من السنين وقد حسبتها أيامًا وقد عزمت أن أعدّ له لكل يوم دينارًا مُدّة عُمره؟!
فإن ذلك يكفي الرجل المتوسط له ولعياله، فأعدّ له "برميلاً" وملأه بالدنانير وتركه في الأرض ثم قال لها: أعدّي برميلاً آخر أجعل فيه مثل هذا يكون له, قال: وما نفعني ذلك مع حوادث الزمان، وقد احتجت إلى ما ترون!! ورأيناه فقيراً يجيئنا بلا إزار نقرأ عليه الحديث ونبرّه!!
"وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك"
كلمة أخيرة
كان أحد العلماء "أبو المعالي الجويني" ينسخ بالأجرة، ويتكسب وينفق على زوجته الصالحة وابنه الرضيع, وكان قد أوصى زوجته ألاّ تمكّن أحدًا من إرضاعه، فدخل مرّة وقد أخذته إحدى الجارات فرضع قليلاً!! فما كان منه إلا أن أدخل إصبعه في فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى قاء جميع ما شربه وهو يقول: يسهل عليّ أن يموت ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه!! وانظر كيف لقمة واحدة قد تفسد صاحبها.
وكذلك فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما أُتي بتمر الصدقة فأخذ سبطه الحسن بن علي -رضي الله عنهما- تمرة منها وجعلها في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كخ كخ ليطرحها ثم قال: أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة"!!رواة البخاري.
فيا ليت أولياء الأمور يحولون بين أولادهما الصغار وبين ما حرّم الله على عباده، فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم استخرج تمر الصدقة من فم الحسن وهو طفل لا تلزمه الفرائض ولم تجر عليه الأقلام؛ فاعتني بابنك أن يصله شيء من الحرام حتى لو يجر عليه القلم هكذا كان فهم الصالحون منطق "وكان أبوهما صالحا"

الطفل الموهوب المبدع

الطفل الموهوب

ما خطى قلم على ورقة ، ولا ضربت ريشة على لوحة ؛ فجعلت من صاحبها مبدع إلا ومن وراءه أب أو أم يدعمونه ، فجروا تلك الطاقة الكامنة في نفسه منذ الصغر .. فالموهبة كالنبتة أو البرعم الصغير الذي يجب تناوله بالرعاية والسقاية وإلا هلكت !!

فلقد أثبتت الدراسات الحديثة أن نسبة المبدعين من الأطفال من سن الولادة حتى سن الخامسة تصل إلى 90% منهم ، وعندما ما يصل هؤلاء الأطفال إلى سن السابعة تقل تلك النسبة لتصل إلى 10% ، وما أن يصلوا إلى الثامنة حتى تحط الموهبة رحالها على .02% منهم فقط .

وهذا دليل واضح على أن مدى نجاح أنظمة التربية والتعليم لدينا ، والأعراف الاجتماعية ، والعادات الأسرية في طمس معالم الموهبة لدى أطفالنا ، وإجهاض أحلامهم وأمالهم على صخور واقع مجتمع لا يعرف كيف يتعامل مع نخبته القادمة ، فهو لا يعرفهم إلا متمردون على نظمه وعاداته ، ويجب أن يخضعوا ولو بالقوة .. ونسى ذلك المجتمع أو تناسى أنه على يد أمثال هؤلاء قامت حضارات ؛ وبضياعهم هدمت أخرى .

ومما لاشك فيه أن أي أب أو أم يحب لأبنائه التميز والإبداع .. ولكن [ المحبة شئ ، والإرادة شئ آخر ] ، فلكي نمهد لأطفالنا سبل الرعاية ونحثهم على بذل الجهد والتقدم نحو الأفضل ، يجب علينا التعرف على طاقتهم ودراستها محاولة لفهمها وتوجيهها.

ومن خلال نقاط البحث التالية سنحاول توضيح عدد من النقاط المهمة حول الموهوبين ...

أولاً : ما هي الموهبة ؟
الموهبة تعني " قدرة استثنائية أو استعدادًا فطريًا غير عادي لدى الفرد ، وقد تكون تلك القدرة موروثة أو مكتسبة سواء أكانت قدرة عقلية أم قدرة بدنية "

ثانيًا : كيف اكتشف أن ابني موهوب؟
تعتبر الأسرة المحضن الأول والرئيسي للطفل في بداية سني حياته ، إذ يقع على عاتق الأسرة مسئولية اكتشاف ورعاية وتنمية مواهب أبنائها .. ولكن في معظم الأحوال تعجز الأسرة عن القيام بواجبها هذا بسبب أما نقص عوامل الخبرة وقلة التدريب ، أو عدم توافر معلومات كافية حول مواهب الأبناء وطرق التعامل معها .

أما عن طرق الكشف عن الموهوبين ؛ فهي متعددة منها ما هو أكاديمي عن طريق محكات واختبارات علمية مقننة ، ومنها ما هو عام ولكنه يستند إلى نظريات ودراسات علمية .. وهذا ما سيستخدمه الوالدين للتعرف على مواهب أبنائهم . فالدراسات الحديثة أجمعت على الرغم من اختلاف نتائجها النهائية ؛ على أنه يوجد خصائص عامة وسمات للموهوبين يمكن من خلالها التعرف عليهم وتمييزهم عن العاديين .. ويمكن تقسيم تلك الخصائص إلى ثلاث مجموعات رئيسية من الخصائص ، وهي كالتالي :

أ- خصائص جسمية :
إن مستوى النمو الجسمي والصحة العامة للموهوبين يفوق المستوى العادي ، فالموهوبين يستطيعون بشكل عام المشي والتكلم في سن أبكر مما هو عند العاديين . وهو بشكل يميلون إلى أن يكونوا :-
أقوى جسمًا ، وصحة ، ويتغذى جيدًا. متقدم قليلاً عن أقرانه في نمو العظام. نضجه الجسمي يتم مبكرًا – بالنسبة لسنه - .

ب- خصائص عقلية ومعرفية :
أهم ما يميز الطفل الموهوب عن غيره من الأطفال العاديين يكمن في خصائصه وقدراته العقلية .. فالطفل الموهوب أسرع في نموه العقلي عن غيره من الأطفال العاديين ، وعمره العقلي أكبر من عمره الزمني .... ويمكن إجمال أهم سمات الموهوبين العقلية في النقاط التالية :-
قوي الذاكرة ، ومحب للاستطلاع. يقظ ؛ ولديه قدرة فائقة على الملاحظة . سريع الاستجابة . لديه قدرة عالية على إدراك العلاقات السببية في سن مبكر. يميل إلى ألعاب الحل والتركيب ؛ واختراع وسائل لعب جديدة لألعاب قديمة ومعروفة لديه. لديه قدرة فائقة على الاستدلال والتعميم وفهم المعاني والتفكير بمنطقية. السن المبكر في تعلى القراءة . ميلهم غير العادي للقراءة. حصيلة لغوية كبيرة ، وتزداد قدرته على استخدام الجمل التامة في سن مبكر للتعبير عن أفكاره ومشاعره .

جـ - خصائص نفسية واجتماعية :-
أكدت الكثير من الدراسات على أن الطفل الموهوب أكثر حساسية ؛ ورغم ذلك فإنه أكثر شعبية من الطفل العادي ، ولديه قدرة أكبر على تكوين علاقات اجتماعية مع غيرهم ، وهم أيضًا يفوقوا العاديين في تكيفهم مع البيئة ... وبمقارنة الطفل الموهوب بغيره من العاديين نجد أنه يميل لأن يتميز بالخصائص التالية :-
له صفات شخصية سامية ( أكثر دماثة ، مطيع – مع استقلالية - ، مطيع ، اكثر انسجامًا مع الآخرين ) يتميز بقدرة عالية على نقد الذات . يميل لاتخاذ دور القائد في الجماعة ( قيادي ). يفضل الألعاب ذات القواعد والقوانين المعقدة والتي تتطلب مستوى عال من التفكير . يميل إلى تكوين علاقات صداقة مع أقران أكبر منه سنًا سنتين أو ثلاث على أكثر – لأنهم يتساوون مهم في العمر العقلي - .

ليست كل تلك الخصائص والسمات إلا علامات يرسلها الله – عز وجل – إلى كل أب وأم ، قائلاً لهما من خلالها أنكم مؤتمنون على تلك الوديعة ، وستسألون عنها .. فإلى كل أب وأم يقرأ (( هيا نكتشف طرق تنمية أمانتك!! )).

ثالثًا : مشكلات الموهوبين داخل أسرهم
يمكن إجمال أهم تلك المشكلات في النقاط التالية :
التفرقة في معاملة الأولاد مما يؤدي إلى الكراهية الشديدة بينهم ، والشعور بالإحباط وعدم وجود حالة من الهدوء والأمن النفسي ، والخوف من فقدان حب الوالدين .. وهذا يعتبر معوق خطير يقف أمام إظهار الطفل الموهوب لطاقته وقدراته الكامنة.

عدم فهم الوالدين لطبيعة الطفل الموهوب ، فالطفل الذكي يتذمر من القيود والقوانين والأوامر الصارمة ويعتبرها عائقًا تحول دون انطلاقه .. لهذا يجب توفير قدر من المرونة والحرية في تحركات الطفل وأفعاله لكي يستطيع التنفيس عن انفعالاته وأفكاره.

الطفل الموهوب ذو قدرات عالية ، وقد يقوم بالتخريب لا حبًا في التخريب وإنما لأن طبيعة تحب الاستطلاع والتجريب .. لذلك يجب إبعاد المثيرات المؤذية عنه ، مع إيجاد بديل ليمارس نشاطه ويجري تجاربه في مكان مخصص للعبه ومكتشفاته ..... على سبيل المثال يريد طفلك استكشاف [ المطبخ ] وما يحتويه من أشياء والأم لا تريد منه ذلك حتى لا يؤذي نفسه ويتعرض للخطر ، لذا نقول للأم تدخل معه المطبخ وتعرفه على الأشياء ومسمياتها ووظيفتها – بطريقة مبسطة- ، فتقول مثلاً : هذا سكر ، وهذا ملح .. وليذقهما ، وإذا أراد الطفل اللعب بالسكين ونحوه تحضر له الأم سكينًا بلاستيكيًا وتجعله يقطع بعض الخضراوات ويأكلها !! أما ماذا سيحدث إذا منعت الأم الطفل من دخول المطبخ ؛ سيزيد هذا المنع الطفل إصرارًا وعنادًا على الدخول ، وقد يتعرض ساعتها للأذى وهو بعيد عن نظر أمه..

يجب على الوالدين الأخذ في الاعتبار أن الموهوبين يتصفون بشدة الحساسية ، فقد تؤثر فيهم كلمة بسيطة فيفعلوا الأفاعيل ، أو كلمة لوم بسيطة ولكن قاسية ؛ تقعدهم وتفتر من عزيمتهم.

إذا فالطفل الموهوب + تلك المشكلات = قنبلة موقوتة على شفا الانفجار ؛ ويجب نزع فتيلها . وهذا واجب على أفراد الأسرة كلهم لا الأب والأم فقط .. فاحتواء الموهوب انفعاليًا وفكريًا مع إتاحة الفرصة له لتنمية نفسه حسب قدراته ، يساعده على فهم قدراته وتوجيهها لحل مشكلات الحياة التي ستقابله في المستقبل.

رابعًا : رعاية الموهوب

الإسلام والموهبة:-
نظر الإسلام للموهبة على أنها عطية ونعمة من الله يجب على المسلم أن يؤدي شكرها ؛ ومن هنا ظهرت كفاءات ومواهب سامقة في تاريخ أمتنا المجيد ، أنارت فاهتدت وهدت . وإذا دققنا النظر في تاريخ الأمم والحضارات لم نجد أمة ظهرت فيها كل تلك المواهب والقمم مثل أمة الإسلام.

فلقد وجد الموهوبون في ظل دولة الإسلام أرضًا خصبة لنمو إبداعهم ، وقد كان الرسول  صلى الله عليه وسلم  أصفى الناس بصيرة ، فاستخرج مكنونات وذخائر أصحابه – رضي الله عنهم - ، كلاً على قدر طاقاته واستعداده وميوله .

فلولا تربية الرسول صلى الله عليه وسلم  تلك ما ظهر صدق الصديق ، ولا عدل الفاروق ، ولا حياء عثمان ، ولا شجاعة علي ، ولا حكمة أبي الدرداء ، ولا دهاء عمرو بن العاص – رضي الله عنهم أجمعين - ، وما كان ليظهر هذا الجيل المتفرد إلا برعاية تفجر الطاقات وتعلو بالهمم .. ولله در القائل :

أئمة شرف الله الوجود بهم ساموا العلا فسموا فوق العلا رُتبًا
فهاهو الرسول  صلى الله عليه وسلم  يرعى موهبة الأطفال ، ويحملهم المسئوليات الثقال التي ينؤ بحملها مائة رجل من رجال اليوم – كل حسب طاقاته - . فعلي  رضي الله عنه  ينام في فراشه  صلى الله عليه وسلم  ليلة الهجرة ، ويولي أسامة بن زيد  رضي الله عنه  جيشًا فيه أبو بكر وعمر وعثمان جنودًا ، ويثق في قوة حفظ زيد بن ثابت  رضي الله عنه  فيأمره بتعلم العبرانية والسريانية فيتعلمهما في أقل من 17 يوم .

أما عن الموهوبات فلقد ذخر الإسلام بهن .. فهاهي " حفصة بنت سيرين " تحفظ كتاب الله وهي ابنة اثنتي عشرة سنة وتفهمه تفسيرًا ، وكان أبن سيرين إذا أشكل عليه شئ من القرآن يقول : اذهبوا فاسألوا حفصة كيف تقرأ؟!

وكان المجتمع الإسلامي يهيئ فرصًَا متكافئة لكافة طوائف المجتمع وطبقته ؛ فلا فرق بين مولى وسيد ، فشمل الإسلام بعدله جميع الناس وارتفع بمكانة الإنسان ، وأفاد من جميع الطاقات والملكات .. فانظر إلى مكانة " نافع مولى ابن عمر "  رضي الله عنه  والذي قال عنه البخاري : أصح الأسانيد .. مالك عن نافع عن ابن عمر [ سلسلة الذهب ] .... وانظر إلى منزلة " عكرمة مولى ابن عباس "  رضي الله عنه  الذي اعتقه وأذن له بالفتيا بعد أن انتهى إليه علم التفسير عنه ، وأخذ من علمه سبعون أو يزيدون من أجلاء فقهاء التابعين .

ومن واقع نظرة الإسلام ؛ والواقع الذي تجسدت فيه النظريات التربوية الحديثة ، وجب على الوالدين الاهتمام بالموهوبين ، حتى ترجع لحضارتنا وأمتنا رونقها وبهاءها الذي تاه وذاب وسط حضارات الآخرين .

لمحات تربوية في رعاية الموهوبين :-
ويمكن إجمالها في النقاط التالية :
(1) التركيز :
قد يظهر عند الطفل الموهوب أكثر من موهبة ، لذا يجب على الوالدين التركيز على الموهبة الأهم والأولى ، وما يميل إليه الطفل اكثر لتفعيله وتنشيطه.

(2) اللحظات الغالية :
اجعل لطفلك لحظات ينفرد فيها بنفسه ليبدع ويكتشف ، واختر لذلك مكانًا هادئًا بعيدًا عن باقي أفراد الأسرة .. أما عن التلفاز فهو من الأشياء التي يصعب معها توفير مثل تلك اللحظات الغالية ، فهو عامل جذب خطير للانتباه ؛ ولحل تلك المعضلة يجب تحديد الأوقات والبرامج التي يشاهدها الطفل وعدم السماح بغيرها.

(3) قاتل المواهب :
الموهبة ليس لها مكان أو وجود معه ؛ فهما لا يعيشان في جسد واحد ، فإذا سكن أحدهما الجسد هرب الآخر .. أنه [ الخوف ] العدو اللدود للموهبة والإبداع . فكيف لطفل يستهزئ والده منه ، ويسفه من آرائه ، ويحط من قدراته ؛ أن يبدع ويطور من إمكاناته . لذا يجب على الوالدين إشعار الطفل بالأمان عندما يعبر عن أفكاره ومشاعره ، وكما يقول " كارل روجرز " : [ إن الطفل يحتاج إلى الأمان النفسي للتعبير عن أفكاره بأساليب جديدة وتلقائية ].

(4) جسور الثقة :
على الوالدين أن يشعروا الطفل الموهوب بكيانه ويُدعما ثقته بنفسه ، ويمكن لذلك أن يتحقق بعدة طرق مثل : أن يسمح الوالدين له بالتخطيط لبعض أعماله ( يريد الذهاب إلى الحديقة أو البقاء في المنزل للعب ..) ، كما يتركاه يخطط لبعض أعمال الأسرة البسيطة وينفذها ( ما الذي نحتاج لشرائه من السوق ؟ وينزل هو ليشتريه / أو العناية بأخيه الصغير ) .. فإتاحة الفرصة لاتخاذ القرارات تجعله يشعر بمدى أهمية وقيمة تفكيره ، وكذلك تساعده على إدراك عواقب تلك القرارات .

(5) اللقب الإيجابي :
فالطفل الموهوب كما قلنا سابقًا حساس من الناحية الانفعالية ، وكلمة مدح صغيرة تفعل به الأفاعيل ، فلا بأس إذا من إيجاد لقب يناسب هواياته ويشعره بتميزه في هذا المجال ..مثل : نبيه / عبقرينو / فاهم / الماهر .

(6) اللعب والألعاب :
اللعب وسيلة هامة في تنمية الموهبة ؛ لهذا يجب الحرص على توفير الألعاب ذات الطابع الذهني أو الفكري ، مع إعطاء الطفل الموهوب الفرصة لاستخدام ألعابه الجديدة واكتشافها .. وللمشاركة الأسرية في اللعب عامل كبير في تلطيف ودعم أواصر العلاقات داخل الأسرة ، وللعب دور أيضًا في تنمية الجانب العقلي والإدراكي لدى الطفل ، فلعبة كالاختفاء والظهور [الاستغماية] على سبيل المثل تجعل الطفل يدرك مفاهيم متعددة ؛ كمفهوم المساحة والمسافات والرؤية.

(7) المكتبة المنزلية :
فالحرص على وجود مكتبة تحتوي على العديد من الكتب النافعة والمفيدة ، والقصص ذات الطابع الابتكاري أو [ التحريضي ] " القصص ذات النهايات المفتوحة - "، وأيضًا ضرورة أن تحتوي المكتبة على دفاتر التلوين وجداول العمل ومجموعات اللواصق .

(8) حكايات قبل النوم :
القصص والحكايات من الأشياء الضرورية لكل الأطفال – خاصة الموهوبين منهم – فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الأطفال الذين يستمعون إلى القصص من ذويهم منذ فترات مبكرة من حياتهم هم أنجح الأطفال في مدارسهم ؛ وتشير تلك الدراسات أيضًا إلى أن القراءة النشطة للحكايات [ بنبرات مختلفة ، مع استخدام تعبيرات الوجه ] له تأثير إيجابي على قدرة الطفل على القراءة ودفعه لها.
وتعمل القصص أيضًا على تدريب الأطفال على مهارات التواصل والحديث والإنصات ، وتنمي الطفل لغويًا بما تضيفه من كلمات وألفاظ تثري حصيلته اللغوية ، وتعمل القصص وحكيها أيضًا على تنمية الطفل الموهوب معرفيًا ؛ وذلك بإثراء معلوماته عن العالم الواقعي ؛ وكذلك أساليب حل المشكلات.
ولعل أهم ما يحققه حكي القصص ؛ هو هذا الجو الحميمي الودود الذي يسود جلسة الحكي ، بما يمد الطفل بالشعور بالأمان والحب ، إضافة إلى الاسترخاء والمتعة . ويجب على الوالدين التركيز على حكي قصص الموهوبين والأسباب التي أوصلتهم إلى العلياء ، وتحبيب شخصياتهم إلى الطفل ليتخذهم قدوة ومثلاً.

(9) معرض الطفل :
من وسائل التعزيز والتشجيع الاحتفاء بالطفل المبدع وبإنتاجه ، ويكون ذلك بعرض ما يبدعه من أشياء في مكان واضح في المدرسة أو البيت ، أو بتخصيص مكتبة خاصة بأعماله ، و إقامة معارض لأعماله يُدعى إليها الأقرباء والأصدقاء في المنزل أو قاعة المدرسة.

(10) المشكلة والحل :
ضع طفلك أمام مشكلة أو سؤال صعب واترك العنان لتفكيره [ الأسئلة المحفزة ] .. مثال على تلك الأسئلة : ماذا تفعل إذا ضللت الطريق للبيت؟ / ماذا تفعل إذا دخل البيت لصًا؟ / ماذا تفعل إذا صرت وزيرًا؟.
ومثل تلك الطريقة تبرز روح التحدي لدى الطفل وتجعله يُخرج ما عنده من طاقات وأفكار مبتكرو وحلول .. وتصبح تلك الطريق أكثر فاعلية إذا ما تم إلقاء الأسئلة على مجموعة من الأطفال وتتلقى إجاباتهم مع المناقشة للحلول المقترحة ؛ فيما يسمى بطريقة [ العصف الذهني ] ، وعندها ستجد عند هؤلاء الأطفال حلول لمشكلات لم تكن لتخطر على بالك أنت نفسك!!

(11) الضبط السلوكي :
الطفل الموهوب لا يسعى للتخريب ولكنه يريد الاكتشاف ، ووقوع الخطأ لا يعني أن المخطئ أحمق أو مغفل ، فلابد للطفل أن يقع في الخطأ ؛ وأنت تصحح له ، وإلا كيف سيتعلم الفرق بين الصواب والخطأ ؟!
ولهذا على الوالدين محاولة البعد عن نقد الطفل نقدًا يهدم من شخصيته – وخصوصًا أمام الآخرين ، حتى أخواته - ، ولكن يمكن القول له : أنت طفل مهذب ، ولا يجب عليك فعل مثل هذا السلوك.

(12) الهوايات المفيدة :
سنورد هنا بعد الهوايات التي يمكن لطفلك الموهوب أن يمارسها : (مقتبس من كتاب"هوايتي المفيدة ")

أ- هوايات فكرية – ذهنية :-
جمع الطوابع والعملات. جمع الصور المفيدة من المجلات والجرائد ، وتصنيفها ( أشخاص / أماكن .... ). المراسلة وتبادل الخواطر. التدريب على استخدام الحاسب الآلي. القراءة والمطالعة ( مرئية / مسموعة / إلكترونية ).

ب- هوايات حسية – حركية :
مراقبة النجوم ، والتأمل في المخلوقات. تربية الحيوانات الأليفة والمنزلية ( عصافير / أسماك زينة .... ). الزراعة وتعهد النباتات بالسقي والرعاية. الرحلات الترفيهية والمعسكرات.

جـ - هوايات فنية – مهنية :
تعلم الرسم والتلوين. الإنشاد. صناعة الدمى والألعاب المختلفة يدويًا. صناعة الحلويات ، وابتكار أكلات جديدة ( للفتيات ). الخياطة ، وفنون الحياكة.

ومن كل ما سبق يتضح للوالدين ملامح خطة عملية يمكن وضعها وتنفيذها ، وذلك لدفع طفلهم الموهوب إلى استخراج مواهبه وطاقاته الكامنة واستخدامها في عمارة الأرض المستخلف فيها من بعد...

وأخيرًا أوجه نصيحتي لكل أب وأم ، لا تنتظر من طفلك البدء ؛ بل ابدأ أنت . فإنك إن انتظرت ظهور علامات الاستعداد لديه قبل أن تقدم أنت له الخبرات والأنشطة المحفزة ، فتكون بذلك حرمته من التحدي المبدع والدافعية الفاعلة .

ولا تخش عليه من الفشل وعواقبه ، فالمبالغة في حمايته قد تعوقه على التصرف في المستقبل .. وإذا رأيت في ذلك نوع من القسوة ، فتذكر الطريقة التي تعلمت بها أنت المشي ؛ كم مرة فشلت ووقعت ، وتقوم لتقف وتحاول دون استسلام .. فترك له الفرصة ليحاول .
 

صناع المستقبل

صناع المستقبل

الأسرة هي البيئة الأولى التي يولد فيها الفرد .. وينمو .. ويشب .. ويترعرع ..
وهى الوسيط الأول للتنشئة الاجتماعية .
وهي عماد المجتمع حقاً .. فهي اللبنة الأولى في المجتمع ..
والتنشئة الأسرية الجيدة : هي التي تشجع على إبراز التفكير الابداعى عند الأبناء ..
ولهذا لنا أن نقول : أنه ليست كل الأسر بيئة صالحة لتنشئة وإخراج المبدعين ..ولهذا فللأسرة التي تسعى لأن يكون ولدها من صناع المستقبل سمات نذكرها :

• أن تتخلص من عقدة " الألفة " .. والتفكير على نحو غير مألوف .. وغير شائع .
• لابد من تعليم ولده بأن .... " هناك وجهاً آخر للحقيقة " .
• أن تتقبل كل مخرجات التفكير الابداعى .. والابتكارى لولدها .. حتى لو أثر على مجال آخر داخل الأسرة .. وداخل المجتمع .. فلا نمو ولا تطور إلا بالتفكير الابتكارى .
• أن تعلم أن كل طفل مبدع في مجال ما .. ولكن السؤال : ما دورنا في إخراج هذا الإبداع ؟! ، ما دورنا في رعايته وتنميته ؟! .
• أن الأم تؤثر وبشدة في تنمية إبداع ولدها .. فالأم ذات الطابع المستقر تُولد لدى ولدها شعوراً بالأمن والطمأنينة .. والاستقرار .. مما يجعله منطلقاً مستقراً .. وأما خلاف ذلك فلا ..
• أن يتمتع الوالدان بالابتكارية أو على الأقل بالتفكير الابتكارى .. حتى يستطيعوا أن يخرجوا إبداعات ولدهم .. ويشاركوه فيها .
• أن تعلم أن خلق الفرص المناسبة للعب .. والتخيل .. وحرية التعبير .. وإشاعة الثقة بالنفس .. والتقدير من الأشياء الهامة جداً لأولادنا صناع المستقبل .
• أن تدرك جيداً أن أكثر المبدعين قد وصفوا آباءهم : بأنهم أقل ميلاً إلى التسلط والقهر .. كما وصفوا أمهاتهم بأنهن أقل في التباعد العدائى والقهر.
• أن تدرك الأسرة أن البدايات كثيراً ما تكون صعبةً .. وخصوصاً عندما يكون موضوع الابتكار أصيلاً وفريداً .
• أن تعلم الأسرة أن الطفل الذي يداوم على الاستفسار والسؤال .. " لماذا " ..... أو " كيف " أو .... " أين " أو ما شابه ذلك .. لكل ما يحيط به من أشياء يصل حتماً للابتكار عندما يكبر .. لكن بشرط أن نتعامل معها بصورة جيدة .
• أن نجتهد في غرس الثقة في طفلك .. والتعامل معه على أن له شخصية قادرة على المشاركة .. وتحقيق النجاح من خلال النقاش مع أطفالنا من خلال ما نثيره من موضوعات مختلفة .
• أن نجتهد في إتباع أساليب التربية التي تأخذ صورة التوجيه وليس الضغط .. والترشيد وليس السيطرة والقهر .
• من عدم الاستحسان المطلق للتقليد والمجاراة ، فالطفل وهو يفصح عن إبداعاته يختلف بالضرورة عن أهله وأقرانه ومن حوله فى أسلوب تفكيرهم .

جلسة أسرية إبداعية

وهي جلسة أسرية يُحدد فيها فكرة ما يراد تحديدها .. أو مشكلة معينة يراد حلها .. أو صياغة معينة يراد الوصول إليها .. تجتمع الأسرة فيها لتعصف ذهنها لفترة زمنية محددة .. لتصل لما تريده .. وتعتبر مثل هذه الجلسات مقدمة للابتكار والإبداع .. وتسمى جلسة عصف ذهن ..
مدتها :
من عشرة دقائق إلى خمس عشرة دقيقة .
أفرادها :
يدعى إليها جميع أفراد الأسرة .
ضوابطها :
وتكون وفقاً لما يأتي :
• لا يسمح لأي نقد للفكرة المطروحة .. لضمان عدم تشتيت الأذهان .
• يشجع الحضور على اقتراح الحلول .. مهما بدت بعيدة .
• يدفع الجميع إلى الاستفادة من الأفكار المقترحة .. ودمجها .. بل وتطويرها .
• اختيار الوقت المناسب للحضور .. بحيث يكون الجميع في حالة صفاء ذهني .
• إعطاء الوقت الكافىء للجميع لعرض أفكارهم .. ونتاج عقولهم .
• يهتم بتسجيل كل الأفكار المعروضة .. مهما بدت بعيدة .
• يذكر في نهاية الجلسة النتائج التي وُصل إليها .. مع الاتفاق على الواجبات العملية .

فوائدها :

• التقارب بين أفراد الأسرة .
• غرس قيمة الشورى في أولادنا .
• تعويد أولادنا على التفكير والإبداع .
• تنشيط عقول أولادنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف التعامل مع الابناء

كيف التعامل مع الابناء

أولادنا هم القطعة الغالية من قلوبنا وأرواحنا ، هم دمنا وأكبادنا التي تمشى على الأرض ، هم امتدادنا في هذا الوجود .
أولادنا هم تلك السنابل الخضراء في صحراء حياتنا ، هم العين الثرة الصافية والوحيدة في صحراءنا هم الظل الوارف الذي نفئ إليه عند الهجير ، هم النور الذي يتلألأ في أعيننا فنبصر ونرى وقد لا يتمنى الإنسان الحياة لنفسه ؛ لكنه يطلبها لأولاده ، قد لا يطلب السعادة لنفسه ؛ لكنه يرجوها لأولاده فهم زينة الحياة الدنيا ، وفتنة واختيار يرى الله من خلاله نجاحنا أو فشلنا . هم قرة أعيننا ، ومهج أرواحنا ، إذا حللنا كانت سعادتنا في أن تمتع أعيننا كل لحظة برؤيتهم ، لا نشبع إلا إذا شبعوا ، ولا ننام إلا إذا ناموا ، ونكسوهم ونتعرى ، ندفئهم ولا نبالى أن يأكلنا البرد .
إذا ارتحلنا تركنا أرواحنا معهم ، فلا نهنأ في غربتنا بطعام ولا شراب ولا نوم ، فإذا ما أكلنا وجدناهم على مائدة الطعام ، وإذا تقلبنا في الأسرة شغلنا بهم فخاصمنا النوم .
قد لا يحب الإنسان لشقيقه أن يراه أفضل منه وأعلى منه ، ولكنه يرجو ذلك لولده ، بهم تحلو الحياة ، وبوجودهم يستجلب الرزق وتتنزل البركات والرحمات .
قال حِطَّانُ بنُ الْمُعَلَّى:

لَوْلاَ بُنيَّاتٌ كَزُغْبِ الْقَطَا * * * رُدِدْنَ مِنْ بَعْضٍ إلَى بَعْضِ
لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ وَاسِعٌ * * * فِي الأَرْضِ ذاتِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ
وَإنما أوْلاَدُنَا بَيْنَنا * * * أكْبَادُنَا تَمْشِي عَلى الأرْضِ
لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلى بَعْضِهِمْ * * * لاَمْتَنَعَتْ عَيْني مِنَ الْغَمضِ
وغضب معاوية على يزيد فهجره، فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين، أولادنا أكبادنا، وثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، وبهم نصول على كل جليلة. إن غضبوا فأرضهم، وإن سألوك فأعطهم، وإن لم يسألوك فابتدئهم، ولا تنظر إليهم شزراً فيملو حياتك، ويتموا وفاتك.
ولأهمية الأولاد في حياتنا فقد أمرنا الله عز وجل بأن ندرك قيمة هذه المسئولية الكبرى ، فنعمل من البداية على تنشئهم تنشئة طيبة صالحة قال جل شأنه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) . التحريم : آية : 6 .
وفى حديث أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ما نَحَلَ والد ولداً من نُحْلٍ أفضل من أدب حسن \" . رواه الترمذي ، ونحل : أعطى ، ونحل : عطية وهبة ابتداء من غير عوض .
والصبي حينما يولد فإنه \" يولد على الفطرة الخالصة ، والطبع البسيط فإذا قوبلت نفسه الساذجة بخلق من الأخلاق نقشت صورته في لوحة ثم لم تزل تلك الصورة تمتد شيئاً فشيئا حتى تأخذ بجميع أطراف النفس وتصير كيفية راسخة فيها مائلة لها من الانفعال بضدها \" . محمد نور عبد الحفيظ سويد : منهج التربية النبوية للطفل ص 157 .
ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم بتعهد الصغار منذ البداية ويربطهم ابتداءً بطاعة الله عز وجل ، قال صلى الله عليه وسلم : \" مروا أولادكم بالصلاة ، وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشرٍ . \". رواه أحمد وأبو داود والحاكم ، وإسناده حسن.
فالتأديب كما قيل مثله كمثل البذر ، والمؤدب كالأرض ، فمتى كانت الأرض رديئة ضاع البذر فيها ومتى كانت صالحة نشأ ونما ، فتأمل بفراستك من تخاطبه وتؤدبه وتعاشره ، ومل إليه بقدر صلاح ما ترى من أوابه .
قال الشاعر : صالح بن عبدالقدوس :
وإن من أدبته في زمن الصبا * * * كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا * * * بعـد الذي أبصرت من يبـسـه
والشيخ لا يترك أخلاقه * * * حتى يوارى في الثرى رمسـه
إذا ارعوى عاد إلى جهلـه * * * كذي الضنى عادا إلى نكسـه
وديننا الحنيف ، وشريعتنا الإسلامية حوت خصال الخير والأدب لتقويم الأحداث ، وتعهدهم منذ الصغر ، قال ابن مسكويه : \" والشريعة هي التي تقوم الأحداث وتعودهم الأفعال المرضية ، وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل المرضية ، والبلوغ إلى السعادة الإنسية بالفكر الصحيح والقياس المستقيم \" انظر : تهذيب الأخلاق لابن مسكويه ص 29 .
والآداب التي يتعامل بها الإنسان مع الناس في كبره هي صدى مباشر لما تعلمه في صغره . فماذا ننتظر من طفل عودناه منذ الصغر أن يطلب ما يطلب بأدب ؛ فيقول \" من فضلك أعطني كذا \" ولمن أعطاه يقول : جزاك الله خيراً ، أو شكر الله لك ، وإذا أخطأ نأسف واعتذر فماذا انتظر منه حينما يكبر ، إن ما نراه في الناس من سوء خلق وندرة أدب ، وجفاء في المعاملة ، لهو نتيجة طبيعية لسوء التأديب في الصغر . ورسولنا الكريم حينما كان يقبل الأطفال ويحنو عليهم ، كان يهدف من ذلك : غرس خلق الرحمة في نفوسهم ، وهذا الأعرابي الذي لم يعجبه تقبيل النبي لصبيانه فاستفهم متعجباً ومستنكرا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم \" أو أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة \". البخاري : الأدب المفرد ص 35 .
وفى رواية لأبى هريرة أن صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن على وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس ، فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت فيهم أحدا ، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : \" من لا يرحم لا يرحم \" . البخاري : الأدب المفرد ص 35 .
لذا فقد كان صلى الله عليه وسلم كلما مر بصبيان هش لهم وسلم عليهم. إنه الأدب النبوي الرفيع في التأديب والتهذيب .
وأول شئ كان يفعله النبى فى تربية الأطفال أنه كان يزرع فيهم ابتداء معنى التوحيد الخالص لله عز وجل وأن يتجه الإنسان فى كل شئ إلى ربه وخالقه ، حتى لا يصير ذنبا فى خلق الله بعد ذلك .
أخرج التذمرى عن ابن عباس – رضى الله عنهما – قال : كنتُ خلق النبى صلى الله عليه وسلم يوما فقال : \" يا غلام .. إنى أعلمك كلمات :
- احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك .
- وإذا سألت فاسأل الله .
- إذا استعنت فاسعن بالله .
- واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك . رفعت الأقلام وجفت الصحف \" أخرجه أحمد (1/293 ، رقم 2669) ، والترمذي (4/667 ، رقم 2516) وقال : حسن صحيح . والحاكم (3/623 رقم 6302) رقم : 7957 في صحيح الجامع .
ولقد كان صلى الله عليه وسلم يعود الأطفال على الصلاة خلفه حتى يشبوا على عبادة الله تعالى .
أخرج البخاري والترمذي وأبو داود عن أنس رضي الله عنه قال : \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً ، وكان لي أخ يقال له أبو عمير وهو – فطيم – وكان إذا جاء قال : يا أبا عمير ما فعل النغير, والنغير طائر كان يلعب به .
يقول أنس بن مالك \"وربما حضرت الصلاة وهو فى بيته فيأمر بالبساط الذى تحته فينكس ثم ينفخ ، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلى بنا \" .
وفى حديث عبدالله بن عباس أنه بات عند ميمونه أم المؤمنين وهى خالته قال : فاضجعت فى عرض الوسادة ، واضجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله فى طولها فنام حتى انتصف الليل ، أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس يمسح وجهه بيده ، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من آل عمران ، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها ، فأحسن وضوءه ثم قام يصلى . قال ابن عباس : فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذنى اليمنى ففركها وصلى ركعتين ثم ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح \". رواه ابن حزيمة في صحيحه ( 3/89 ) .
وعلى هذا الهدى النبوى الكريم ربى الصحابة أولادهم . وأول ما ينبغى أن يربى الأطفال عليه عبودية الله وتوحيده ، والأخلاق الكريمة وأول هذه الأخلاق الحياء . قال ابن مسكوية : \" ولذلك أول ما ينبغى أن يتفرس فى الصبى ، ويستدل به عقله الحياء ؛ فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح ، ومع احساسه به هو يحذره ويتجنبه ، ويخاف أن يظهر منه أو فيه \". ابن مسكويه : تهذيب الأخلاق ص 48 .
ثم بعد ذلك يعود على الآداب العامة مثل أدب الحديث ومخاطبة الكبار ، وأدب العطاس ، والتثاؤب فيعلم علم الحمد الله ثم إذا قيل له يرحمك الله ، أو بورك فيك ونحوه ن ويعلم الرد .
إلى غيرها من الآداب التى فصل القول فيها الفقهاء والمربون .
حكى عن محمد بن على القصار : أنه كان له أهل وولد ، وكانت له ابنة ، وكان جماعة من أصدقائه عنده يوما ، فصاحت الصبيه : يارب السماء يزيد العنب ، فضحك محمد وقال : قد أدبتهم بذلك حتى إذا احتاجوا إلى شئ يطلبونه من الله تعالى. الطوسى : اللمع ص 264 .
وهذه بعض وصاياهم لأبنائهم : قال رويم بن أحمد البغدادى لابنه : يا بنى اجعل عملك ملحاً وأدبك دقيقا ، أى استكثر من الأدب حتى تكون نسبته فى سلوكك من حيث الكثرة كنسبة الدقيق إلى الملح الذى يوضع فيه ، وكثير من الأدب مع قليل من العمل الصالح ، خير من كثير من العمل قلة الأدب \"المحاسبي : رسالة المسترشدين ص 31 .
وقال إبراهيم بن الحبيب بن الشهيد ، قال لى أبى أئت الفقهاء والعلماء ، وتعلم منهم ، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم فإن ذاك أحب لى من كثير من الحديث \" . الخطيب البغدادي : الجامع لأخلاق الراوي ج1 ص 17 .
وقال بعض السلف لابنه : لأن تُعلم بابا من الأدب أحب إلى من أن تتعلم سبعين بابا من أبواب العلم \" السمعانى : أدب الإملاء والاستملاء ص 11 .
وفى الحديث الشريف عن ابن عباس : أكرموا أولادكم واحسنوا أدبهم (رواه ابن ماجة) .
فالأب يستطيع أن يرقى بسلوك أولاده صعدا فى مدراج المثل العيا والمكارم الإنسانية الرفيعة ، والأب العاقل هو الذى يعرف كيف يتسرب إلى قلوب ابنائه ليغرس فيهم قيم الإسلام وآدابه النبيلة دون أن يرهقهم ، أو يجعلهم يحسون بالملل ، وهو فى ذلك تارة يربى بالموعظة ، وتارة بالقدوة ، وأخرى بالاثارة .
وهو في كلٍ مفتح العينين على سلوكياتهم وأخلاقهم ، وينمى ما فيها من خير وجمال ، ويعدل ما يحتاج إلى تعديل ، ويزيل ما يحتاج إلى إزالة ، وهكذا حتى يخرج للمجتمع جيلاً يؤمن برسالته ويعيش لقضايا أمته .
ولا ريب أن التربية السليمة هى الأساس الأول لصلاح المجتمع فالسلوكيات الدخيلة على المجتمع المسلم ما هى إلا أثر من أثار اختلال موازين التربية ، والتربية ليست مسئولية البيت وحده ؛ بل هى مسئولية يشترك فيها الجميع : البيت والمدرسة والمسجد ، والتلفاز ، والمذياع وكل أجهزة الأعلام.

الأحد، 10 أكتوبر 2010

بعض التوجيهات التربوية حول تربية الأبناء الأطفال

توجيهات للتعامل مع الأبناء: هذه بعض التوجيهات التربوية حول تربية الأبناء الأطفال، انتقيتها من كتب التربية وعلم النفس ومن تجارب الحياة، وهي ما يأتي:

أولاً: تبدأ تتحدد شخصية الابن أو البنت من السنة الثانية؛ لذا لابد أن نبدأ معه بترسيخ العقيدة، وحب الله، والآداب الإسلامية، والصدق، والتقدير، بالرفق والأسلوب الحسن، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه"، (رواه مسلم). وعنها رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" (رواه مسلم).

وقد أثبتت الدراسات والبحوث التي أجريت في هذا المجال أن لأساليب التربية الخاطئة ـ مثل القوة والتدليل ـ آثارا سلبية على تربية الأبناء وسلوكهم.

ثانياً: زرع المحبة والعطف:يحتاج الطفل إلى أن يكون محل محبة الآخرين وعطفهم، ويتغذى عاطفياً من خلال ما يجد من أمه وأبيه وذويه، كما يتغذى جسدياً بالطعام الذي ينمي جسده ويبعث فيه دفء الحياة، وقد وجه شرعنا المطهر إلى ذلك، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبّل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من لا يرحم لا يُرحم"، (متفق عليه).

هكذا يوصي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تكوين العلاقة العاطفية مع الأنباء، ولأنهم حينما يحرمونها من الآباء والإخوان سوف تتأثر صحتهم النفسية، وقد يلجؤون إلى أصدقاء السوء الذين يحاولون أن يصطادونهم بالعبارات المنمقة ثم يوقعونهم في الانحرافات.

ثالثاً: الحاجة إلى اللعب والمغامرة والمخاطرة: يحتاج الأطفال للعب والمغامرة من خلال لون النشاط والألعاب التي يقومون بها؛ وذلك لتجريب قدراتهم ولاكتساب مزيد من القدرات والتغلب على الصعوبات ويبالغ بعض الآباء والأمهات في منعهم، إلا أن شيئا من المغامرة والتجريب مهم لنمو شخصية الطفل وقدراته.

رابعاً : ملاحظة المواهب والقدرات لدى الأبناء:والاهتمام بجوانب الإبداع لدى الابن ورعايتها بما يناسبها ويتوفر لدى الأب، فتقديم تلك الرعاية سوف يفيد الابن كثيراً، ورغم أهمية رعاية الأبناء الموهوبين من المؤسسات التربوية إلا أنه ينبغي ألا يهمل الأب ابنه وينتظر المؤسسات الأخرى.

خامساً: الحاجة إلى الأمن: يدرك الأطفال ما هم عليه من ضعف، ويشعرون بحاجتهم إلى من يحميهم ويرعاهم، وهم يحتاجون إلى حضن دافئ ممن هم أكبر منهم سناً وأعظم قدرة، ويلجأ الإنسان كلما انتابه ما يهدده أو يفزعه إلى تلك القوة التي تمده بالأمن والاستقرار؛ ولذا ينبغي أن تستثمر في تعليقهم بالله والاعتماد عليه؛ لأنه هو سبحانه مصدر قوة المسلم وأمنه وسعادته.

وفق الله الجميع إلى كل خير، وسدد خطانا، وصلى الله على نبينا محمد..

أبرز خصائص النمو لدى الأبناء وأساليب التعامل معها

خصائص النمو لدى الأبناء في مرحلة الطفولة وفنيات التعامل معها:
سوف سنتعرض أبرز خصائص النمو لدى الأبناء وأساليب التعامل معها.
أ ـ الخصائص الجسمانية:يصبح النمو الجسمي للأطفال في هذه المرحلة سريعاً، خاصة من ناحية الطول، وتصل عضلاته إلى مستوى مناسب من النضج، مما يعينه على ممارسة الحركات الكلية، مثل: الجري والقفز والتسلق، أما عضلاته الصغيرة والدقيقة فإنها تنمو بشكل أقل في هذه المرحلة المبكرة، لذا فإنه ينبغي ملاحظة ما يأتي:

أنه قد يبدو من الأبناء في هذه المرحلة: التململ، وعدم الاستقرار، والضوضاء في أثناء جلوسهم فترة طويلة على وتيرة واحدة في البيت أو الفصل، وهذا يلاحظ بشكل واضح لدى طلاب الصف الأول الابتدائي.

لا يزال التآزر الحركي الدقيق في بدايته؛ لذا فإنه يحسن التدرج في تعليمهم الكتابة، حتى لا ينمو لديهم اتجاه سلبي تجاه الكتابة والمدرسة بشكل عام.

يجد بعض الطلاب صعوبة في تركيز النظر على الحروف الصغيرة والأشياء الدقيق.

لابد من الاعتناء بأمر الطفل بأداء الصلاة، نظراً لقدرته الجسمية على ذلك، وللتوجيه النبوي الشريف، ولما لذلك من أثر على سلوكه مستقبلاً.
ب ـ الخصائص العقلية: يطّرد النمو العقلي، ويستطيع الطفل في هذه المرحلة إدراك العلاقة عقلياً بعيداً عن التجريد، وتزداد قدرته على الفهم والتعلم وتركيز الانتباه، وتكثر لدى الأبناء الأسئلة؛ لذا يلاحظ ما يأتي:

أن الأبناء في هذه المرحلة شغوفون بالسؤال، ومعرفة الأشياء التي تثير انتباههم؛ لذا فاستغلال هذه الفترة وتقديم المعلومات بأسلوب شيق وسهل يساعدهم على تحقيق الفائدة المرجوة.

2ـ يحرص الأبناء على التسميع والإجابة أمام الأب والأم والمعلم، سواء كان الجواب صحيحاً أو خاطئاً، وهنا يبرز دورنا في ضبط النقاش وإدارته بحيث يتحدث كل ابن في دوره، مع تشجيع الأبناء على الإجابة الصحيحة وعلى النقاش والتفكير والتأمل.
ج ـ الخصائص الانفعالية:ينمو السلوك الانفعالي، ويتميز بالتنوع، مثل: الغضب والخوف والحنان والغيرة، ولكنه غالباً لا يدوم على وتيرة واحدة لفترة طويلة، وهنا ينبغي التنبه إلى أن الأبناء في هذه المرحلة بحاجة إلى الثناء والتشجيع، سواء بالألفاظ أو من خلال الجوائز العينية الرمزية التي لها أثر كبير في نفوس الأبناء.
د ـ الخصائص الاجتماعية:تبرز الحياة الاجتماعية لدى الأطفال في هذه المرحلة من خلال جماعة الأصدقاء، حيث يميل الطفل إلى اللعب مع أقرانه في المنزل والمدرسة، ويسودها التعاون والمنافسة وممارسة الأدوار القيادية، ومن ثم فإنه ينبغي أن نعمل على أن تكون المنافسة بين الأطفال بريئة بعيدة عن الغيرة والحسد، وأن يُشجع الطفل على تكوين شخصية قوية من خلال الألعاب المفيدة وممارسة الأدوار الاجتماعية الناجحة.

ويتأرجح الطفل في هذه المرحلة بين الميل للاستقلال الاجتماعي وبقايا الاعتماد على الآخرين، وبشكل عام فإنه يزداد وعي الطفل بالبيئة الاجتماعية ونمو الألفة والمشاركة الاجتماعية؛ لذا ينبغي مراعاة ما يأتي:

يهتم الأطفال بالألعاب الجماعية المنظمة؛ لذا يحسن توفير الألعاب المفيدة، وإعطاء الطفل الفرصة للعب؛ لتحقيق الثقة بالنفس والنجاح.

تكثر المشاحنات بين أبناء هذه المرحلة، وهنا يأتي دور المربي في حسن حلها، ومعرفة من تكثر لديه المخاصمات وأسبابها؛ لإعارته الاهتمام المناسب.

يستعمل بعض الأطفال كلمات غير لائقة، كما يميل بعض الأطفال إلى النميمة، ويصدر ذلك لأسباب، منها لفت النظر إليهم؛ لذا يبرز دور المربي في تعليم الأطفال أحسن الألفاظ والآداب.

إن هذه المرحلة تتصف بالتنافس بين الأطفال، ودور المربي هو استثمار هذا التنافس ليكون حافزاً لحفظ كتاب الله تعالى وللتعليم دون أن يترك آثاراً سالبة.

في هذه المرحلة تبرز فطرة التدين، فيحاكي الطفل والديه في الصلاة وتلاوة القرآن وحفظ بعض الآيات والأذكار، وتبرز جوانب الخير في نفس الطفل؛ لذا ينبغي للمربي أن يرعى هذه الفطرة وينميها بالمعلومات الصحيحة المناسبة والقدوة الحسنة.

توجيهات من الكتاب والسنة حول تربية الأبناء:


يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

يقول ابن كثير: أي تأمر نفسك وأهلك من زوجة وولد وإخوان وقرابة وإماء وعبيد بطاعة الله، وتنهى نفسك وجميع من تعول عن معصية الله تعالى، وتعلمهم وتؤدبهم، وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به وتساعدهم عليه.

وفي معنى هذه الآية الكريمة الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود عن سبرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها".

قال الفقهاء: وهكذا الصوم ليكون ذلك تمريناً له على العبادات؛ لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر، والله الموفق.

في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه..". قال العلماء: هذا نص على مسؤولية الأسرة في المحافظة على فطرة الأبناء وصيانتها عن الانحراف.